آخر تحديث :الإثنين-06 مايو 2024-08:41ص

ملفات وتحقيقات


حرب مستمرة ومدارس مدمرة وطلاب خارج الفصول..( تقرير)

الإثنين - 07 سبتمبر 2020 - 05:53 م بتوقيت عدن

حرب مستمرة ومدارس مدمرة وطلاب خارج الفصول..( تقرير)

(عدن الغد) حسان محمد

ترك عبدالله عمر المدرسة مجبراً، بعد وصول الاشتباكات إلى مديرية الدريهمي بالحديدة، ونزح مع أسرته إلى صنعاء، بحثاً عن الأمان بعيداً عن نيران المدافع والأسلحة الثقيلة والخفيفة، وقصف الطيران، لكن الحياة في بلاد الغربة والنزوح لا ترحم، وتوفير متطلبات العيش الأساسية يحتاج إلى تضحية وتفانٍ.

بعدت المسافة بين عمر والمدرسة كما بعدت بينه وبين مسقط رأسه، واتخذ من جولات المرور مكاناً لطلب الرزق ببيع قوارير المياه المعدنية وأوراق “الفاين”، ليعين أسرته الفقيرة على العيش في بلد النزوح والاغتراب الداخلي

عمر ليس وحده من أجبرته الحرب على ترك بلدته، وأبعدته عن المدرسة، فما يقارب 1.71 مليون طفل يعيشون في محافظات النزوح منذ بدء الحرب في مارس 2015، وبعضهم أجبرته الظروف المعيشية على ترك المدرسة والالتحاق بسوق العمل.

 

استهداف المدارس

ويعد التعليم أكبر ضحايا الحرب في اليمن التي أجبرت مليوني طفل على ترك فصول الدراسة، علاوة على نصف مليون آخر تسرب من المدارس منذ بداية المواجهات العسكرية، بحسب منظمة اليونيسف التي تؤكد أن تعليم 3.7 مليون طفل آخرين بات على المحك، وأن تصاعد النزاع الراهن ألحق دماراً واسعاً في نظام البلاد التعليمي الهش أصلاً، ولم يعد من الممكن استخدام مدرسة واحدة من كل 5 مدارس.

وتتعرض العملية التعليمية إلى تدمير واسع من كافة الجوانب، ليكون الضحية ملايين الأطفال وجيلاً بأكمله، ومع انطلاق شرارة الحرب زج بالمدارس والمنشآت التعليمية في أتونها، وصارت أهدافاً وثكنات عسكرية. ففي مطلع العام الجاري، قالت منظمة اليونيسف، في تقرير عن وضع التعليم في اليمن، إن عدد المدارس التي توقفت عن العمل بسبب الحرب بلغ أكثر من 2500 مدرسة، دُمر منها نحو 66% بسبب العنف المباشر، وأُغلقت 27%، وتُستخدم 7% لأغراض عسكرية أو أماكن إيواء للنازحين.

وهذا ما أكده تقرير منظمة مواطنة لحقوق الإنسان ومركز “سيزفاير”، بعنوان “تقويض المستقبل”، الذي صدر في أغسطس الماضي، حول الهجمات على المدارس من مارس 2015 إلى ديسمبر 2019.

ووثّق التقرير ما يزيد على 380 واقعة اعتداء وتضرر لمدارس ومرافق تعليمية، لكنها لا تمثل العدد الإجمالي للهجمات، ولا تحصر الأنماط التي تعرضت لها المدارس والمرافق التعليمية أثناء النزاع المحتدم في اليمن، غير أن هذه الوقائع تقدم توضيحاً تفصيلياً حول أبرز أنماط الانتهاكات التي تتعرض لها المدارس والمرافق التعليمية خلال سنوات الحرب، والآثار المروعة لهذه الانتهاكات على واقع العملية التعليمية وتداعياتها على الطفولة والمستقبل، كما يقول التقرير.

وتشمل الوقائع الموثقة ما لا يقل عن 153 هجمة جوية نفذتها مقاتلات التحالف بقيادة السعودية والإمارات، في 16 محافظة يمنية، وما لا يقل عن 36 مدرسة كانت عرضة للاشتباكات والهجمات البرية، منها 22 قامت بها جماعة أنصار الله المسلحة (الحوثيون)، كما تتحمل الجماعات والقوات الموالية لحكومة الرئيس هادي المسؤولية في 8 وقائع، وتقع المسؤولية المشتركة في الوقائع الـ6 المتبقية.

ورصد التقرير 171 انتهاكاً خاصاً باحتلال المدارس واستخدامها لأغراض عسكرية، منها 131 قامت بها جماعة الحوثي، و30 واقعة المقاومة الشعبية والقوات الموالية للرئيس هادي، و8 وقائع تتحمل مسؤوليتها قوات المجلس الانتقالي، وواحدة لأنصار الشريعة.

وخلال 2018 فقط، وثق التقرير ما لا يقل عن 60 واقعة اعتداء واستخدام للمدارس، منها واقعتا هجوم جوي، و22 واقعة احتلال، و36 واقعة لأشكال أخرى كالاقتحامات، إضافة إلى حالة انفجار ذخائر تم تخزينها في مستودعات قريبة من مدارس أوقعت خسائر كبيرة في صفوف الأطفال.

 

اتهامات متبادلة

وزارة التربية والتعليم التابعة لجماعة الحوثي أكدت في إحصائية حديثة أن عدد المدارس المتضررة من الحرب بلغ 3652 مدرسة ومنشأة تعليمية، عدد طلابها مليون و898 ألفاً و220 طالباً وطالبة، منها 412 مدمرة كلياً، و1491 مدمرة جزئياً، واستخدمت 993 مدرسة ومنشأة تعليمية لإيواء النازحين، و756 أغلقت بسبب ما سمته العدوان، فضلاً عن تضرر أكثر من 5 ملايين طالب وطالبة في تعليمهم، وحرمانهم من 56 مليوناً و565 ألفاً و868 كتاباً مدرسياً.

واتهمت الحكومة جماعة الحوثي بارتكاب أكثر من 28 ألف انتهاك بحق قطاع التعليم في العاصمة صنعاء وحدها، خلال الفترة بين أكتوبر 2018 وأكتوبر 2019.

وتوزعت هذه الانتهاكات بين القتل خارج القانون، والاعتداءات، والتعذيب، والاعتقالات، ونهب المرتبات والمساعدات الإنسانية، وتجنيد الأطفال من المدارس، وفرض الفكر الطائفي وشعارات الجماعة، إلى جانب تغيير المناهج وزرع ثقافة الموت والكراهية.

وأوضح التقرير الحكومي، أن الجماعة خلال الفترة المذكورة قتلت 21 معلماً، وأصدرت أحكاماً بإعدام 10 من مديري المدارس والمعلمين والطلبة، فضلاً عن قيامها بـ157 عملية اقتحام لمنشآت تعليمية، وتجنيد نحو 400 طالب، وفصل قرابة 10 آلاف معلم، وتنظيم أكثر من 3 آلاف فعالية طائفية لاستقطاب الطلبة.

 

غياب الكتاب والمعلم

عدم توفر الكتاب المدرسي الذي توقفت طباعته منذ انطلاق العمليات العسكرية، إحدى المشاكل التي تواجه العملية التعليمية، وتلجأ إدارات المدارس إلى البحث عن حلول وبدائل للتغلب على الإشكالية من خلال عملية التداول للكتب القديمة، وإشراك أكثر من طالب في كتاب واحد، أو الطلب من التلاميذ شراء الكتب الناقصة من أرصفة الشوارع والبسطات، وهذا ما يلجأ إليه الآباء في تغطية العجز في المقررات الدراسية لأبنائهم.

وفي 2017 أعلنت دولة قطر عن دعمها لمشروع طباعة الكتاب المدرسي للصفوف الرابع والخامس والسادس، عبر منظمة اليونيسف، لكن المشروع توقف بعد إصرار جماعة الحوثي على إدخال بعض الأفكار الخاصة بهم في المنهج، وقابلته الحكومة، وكثير من الأوساط المجتمعية، بالرفض والاستهجان.

ولم تتوقف محاولة جماعة الحوثي عند تغيير مفردات في المناهج، وإنما استغلت المدارس والمرافق التعليمية لأهداف تخدم أفكار الجماعة، ونشر أفكارها ومعتقداتها، والتحريض الطائفي، وخصصت فقرات من طابور الصباح وحصصاً دراسية للترويج لما تسميه “المسيرة القرآنية”، وترديد شعاراتها، وأقامت الأنشطة والفعاليات لاحتفالاتها الطائفية، كما طبعت العبارات الخاصة بها على جدران المدارس، بحسب التربوي عادل القباطي لـ”المشاهد”.

وحولت جماعة الحوثي المدارس إلى مراكز لتحشيد المقاتلين الأطفال إلى جبهات القتال من غير إذن أولياء أمورهم، وفي سنوات الحرب أصدرت المنظمات الدولية والمحلية تقارير عن استخدام الأطفال وقوداً للحرب، واحتلت جماعة الحوثي المركز الأول في تجنيد الأطفال.

وتسبب انقطاع المرتبات في تسرب المعلمين من المدارس، والبحث عن مهن أخرى لتأمين متطلبات الحياة، واستعانت المدارس بالمدرسين البدلاء غير المؤهلين، ولم تنتظم الدراسة، وقل التحصيل العلمي بشكل واضح.

 

مخاطر الاستغلال والفشل

الرسوم الشهرية المخصصة على الطلاب في المحافظات التي تسيطر عليها جماعة الحوثي، صارت عقبات أخرى وعبئاً إضافياً على أولياء الأمور، وأدت إلى مزيد من التسرب، وحرمت بعض إدارات المدارس الطلاب الذين لم يستطيعوا دفعها، من الامتحانات.

تزايدت المشاكل والأسباب التي أسهمت في تدمير العملية التعليمة وزيادة معدلات التسرب من المدارس، مما جعل مستقبل كثير من الأطفال في مهب الريح، وعرضهم لأنواع من الانتهاكات والاستغلال.

وترى ممثلة اليونيسف في اليمن، سارا بيسلو نيانتي، أن الأطفال غير الملتحقين بالمدارس يواجهون مخاطر متزايدة في التعرض لكافة أشكال الاستغلال، بما في ذلك إجبارهم على الانضمام إلى القتال، وعمالة الأطفال، والزواج المبكر، ويفقدون فرصة النمو والتطور في بيئة تحيطهم بالرعاية والتشجيع، ويصبحون عالقين في نهاية الأمر في حياة يملؤها العوزُ والمشقة.

وأضافت بيسلو نيانتي، في تصريحات إعلامية، أن النزاع وتأخر عجلة التنمية والفقر، تسبب في حرمان ملايين الأطفال في اليمن من حقهم في التعليم، وأملهم في مستقبل أفضل، وتسبب العنف والنزوح والهجمات التي تتعرض لها المدارس في الحيلولة دون وصول العديد من الأطفال إلى المدارس، ومع استمرار عدم دفع رواتب المعلمين، فإن جودة التعليم أصبحت على المحك.